زرت قناة السويس منذ أيام وسعدت بالتجول فيها مع نخبة من الزملاء الصحفيين من خلال لجنة الأداء النقابى التى يشرف عليها الزميل العزيز على القماش.. ورغم أنها ليست المرة الأولى التى أتجول فيها داخل القناة حيث قمت بهذه الجولة منذ عشرين عاماً تقريباً.. لكننى فى هذه الزيارة رأيت جديداً وتجولت فى الشريان المائى الذى يربط بين القناة القديمة والجديدة.
تأملت خلال زيارتى الجديدة للقناةعظمة هذا الشريان العالمى للتجارة وحركة النقل الدولية، وشاهدت السفن والناقلات العملاقة وهى تسير فى القناة التى تقدم خدمة عظيمة للعالم وتسهم فى توفير مقومات حياة كثير من الشعوب بأسعار تكلفة أقل حيث تختصر القناة حركة تنقل السلع ومصادر الطاقة لتصل إلى المستهلكين بأسعار أفضل.
فما تمثله القناه للشعب المصرى أكبر بكثير من دخلها الاقتصادى فهى رمز لكفاحنا ورمز لسيادتنا وحولها تتجمع مشاعر المصريين الذين حمل أجدادهم المعاول واستشهد فى حفرها 125 ألف مصري.. كما أننا أنفقنا على تطويرها تريليونات الجنيهات.. ولذلك من واجب المصريين جميعا حمل لواء حمايتها والدفاع عن وجودها والدعوة إلى تطويرها وتحديثها لمضاعفة الاستفادة منها.
قناة السويس تروى قصة شعب كافح طويلا عبر أجيال ودفع ثمناً باهظاً من العرق والمعاناة والدماء والأموال، حتى أصبحت القناة رمزاً للسيادة الوطنية ومصدرا مهما من مصادر الدخل القومي.. لذلك فإن من يختزل قناة السويس فى مجرد أرقام للإيرادات وحركة السفن، فإنه لا يرى سوى جانب واحد من الحقيقة.
أما الجانب الأهم، فهو أن وراء هذه القناة تاريخاً من التضحيات لا يجوز أن ينشغل عنه المصريون.. فقبل أكثر من قرن ونصف، لم تكن هناك آلات حفر حديثة، ولا معدات عملاقة، ولا التكنولوجيا التى تجعل الإنسان اليوم قادراً على إنجاز أعمال ضخمة فى وقت قصير.. لكن كان هناك المصرى صاحب الإرادة القوية فحمل الفأس والمعول، وسطر أعظم إنجاز فى تاريخ مصر.
>>>
تاريخ القناه الذى تعرفنا على جوانب منه خلال جولتنا فى معرض قناة السويس يحكى قصة كفاح وصمود وقوة الشعب المصرى الذى تصدى لحفر القناه فى ظروف بالغة القسوة فقد شارك ما يقرب من مليون مصرى فى أعمال حفر القناة، فى مواجهة الرمال والمياه والحرارة والأمراض، وبوسائل بدائية لا تتناسب أبدا مع حجم المشروع الكبير.
لذلك فإن قناة السويس لم تكن مجرد مشروع هندسى عملاق.. بل كانت أيضاً صفحة من صفحات المعاناة الإنسانية للمصريين.
أثناء رحلتنا فى قناة السويس تأملنا السفن والناقلات الضخمة وكلما مرت سفينة فى القناة تذكرنا أن الطريق الذى تسلكه الآن فى سهولة ويسر لم يصنعه المال وحده، وإنما صنعه أيضاً جهد الإنسان المصرى العظيم
تاريخ القناة ومراحل إنشائها وتطورها وتحريرها من النفوذ الأجنبى إلى السيادة المصرية تذكرنا دائماً بأن هذه القناة محفورة فى وجداننا جميعاً وأنها رمز لسيادتنا الوطنية فقد قهرنا فيها الاحتلال وكانت لحظة التحول الكبرى فى السادس والعشرين من يوليو عام 1956، عندما أعلن الرئيس جمال عبدالناصر تأميم شركة قناة السويس.
كان القرار أكبر من مجرد قرار اقتصادي.. كان إعلاناً بأن القناة جزء لا يتجزأ من السيادة الوطنية.. ولم يكن طريق تحرير القناة سهلاً.. حيث جاء العدوان الثلاثى فى محاولة لإجبار مصر على التراجع.. لكن مصر لم تتراجع، وأثبت المصريون أن السيادة الوطنية ليست شعاراً يرفع فى المناسبات، وإنما قرار يحتاج إلى قوة وإرادة واستعداد لدفع الثمن ومنذ ذلك اليوم أصبحت قناة السويس فى الوجدان المصرى رمزاً للاستقلال الوطني.
>>>
مشروع وطنى ضخم بحجم قناة السويس يحظى دائماً باحترام وتقدير المصريين ومن الطبيعى أن يكون يشكل جزءاً مهماً من وجدانهم الوطني.. ومن هنا كانت الضجة الكبيرة والاستنكار الشديد لما طرحه أحد الشخصيات الاقتصادية منذ أيام من مبادلة ديون الحكومة المحلية بقناة السويس.. وهو ما دفع مجلس الوزراء إلى سرعة نفى موافقة الحكومة على المقترح حيث أكد مجلس الوزراء أن الاقتراح يعبر عن رؤية شخصية خالصة لصاحبها، ولا يمثل بأى حال من الأحوال توجها أو مقترحا تتبناه الحكومة المصرية.
وأوضح مجلس الوزراء أن أفكارا تتعلق بمقايضة مثل هذه الأصول العامة مقابل المديونية المحلية سبق أن خضعت للدراسة والتقييم من جانب الجهات المعنية بالدولة، فى إطار دراسة البدائل المختلفة لإدارة وخفض الدين العام وتكلفة خدمته، وقد انتهت الدراسة إلى عدم ملاءمة تطبيق هذا التصور، وعدم إدراجه ضمن السياسات أو الآليات التى تتبناها الحكومة لإدارة الدين العام.